الشيخ محمد هادي معرفة
311
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وعن ربيعة قال : فاق عطاء أهل مكّة في الفتوى . وقال قتادة : قال لي سليمان بن هشام : هل بمكّة أحد ؟ قلت : نعم ، أقدم رجل في جزيرة العرب علما ! قال : من ؟ قلت : عطاء بن أبي رباح ، إلى غيرها من شهادات ضافية بشأنه . وأنّه من سادات التابعين فقها وعلما وورعا وفضلًا « 1 » . ولابن خلّكان بشأنه حكاية طريفة ، قال : حكي عن وكيع ، قال : قال لي أبو حنيفة النعمان بن الثابت : أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكّة ، فعلّمنيها حجّام ! وذلك أنّي أردت أن أحلق رأسي ، فقال لي : أعربيّ أنت ؟ قلت : نعم ، وكنت قد قلت له : بكم تحلق رأسي ؟ فقال : لا يشارَط فيه ، اجلس ، فجلستُ منحرفا عن القبلة ، فأومأ إليّ باستقبال القبلة . وأردت أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر ، فقال : أدر شقّك الأيمن من رأسك ، فأدرته . وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت ، فقال لي : كبّر ، فجعلت أُكبّر ، حتّى قمت لأذهب ، فقال : أين تريد ؟ قلت : رَحلي . فقال : صلّ ركعتين ثمّ امض . فقلت : ما ينبغي أن يكون هذا من مثل هذا الحجّام إلّا ومعه علم . فقلت : من أين لك ما رأيتك أمرتني به ؟ فقال : رأيت عطاء ابن أبي رباح يفعل هذا « 2 » . قال : وكان أسود ، أعور ، أفطس ، أشلّ ، أعرج ، ثمّ عُمي بعد ذلك . وكان مُفَلفَل الشعر . قال سليمان بن رفيع : دخلت المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل ، فأطلعت ، فإذا عطاء بن أبي رباح جالس كأنّه غراب أسود « 3 » . قال محمّد بن عبد اللّه « 4 » : ما رأيت مفتيا خيرا من عطاء بن أبي رباح ، إنّما كان في مجلسه ذكر اللّه لا يفتر وهم يخوضون . فإن تكلّم أو سئل عن شيء أحسن الجواب وكان يطيل الصمت ، فإذا تكلّم يخيّل إلى الناس أنّه يتأيّد ! وعن ابن جُرَيج : كان عطاء إذا حدّث بشيء ، قلت : علمٌ أو رأيٌ ؟ فإن كان أثرا قال : علمٌ ، وإن كان رأيا قال : رأيٌ ، وعن سلمة بن كهيل : ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه اللّه إلّا ثلاثة : عطاء ، ومجاهد ، وطاووس . قال
--> ( 1 ) - . تهذيب التهذيب ، ج 7 ، ص 199 - 203 . ( 2 ) - . وفيات الأعيان ، ج 3 ، ص 261 ، رقم 419 . ( 3 ) - . المصدر نفسه ، ص 262 ؛ راجع : الطبقات ، ج 5 ، ص 346 ؛ تهذيب التهذيب ، ج 7 ، ص 200 . ( 4 ) - . الملقّب بالديباج وأُمّه فاطمة بنت الحسين عليه السلام . قتله المنصور سنة 145 ه . .